الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
123
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأولاد فيعلم منه : أنّه أراد موتهم على الكفر ، فيستغرق التعذيب بأموالهم وأولادهم حياتهم كلّها ، لأنّهم لو آمنوا في جزء من آخر حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشحّ . وجملة : وَهُمْ كافِرُونَ في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنّه إذا زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافرا . والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ المائدة : 100 ] أي استحسنت مرأى وفرة عدده . و ( الزهوق ) الخروج بشدّة وضيق ، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد ، وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة . [ 56 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 56 ] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من أخبار أهل النفاق . وضمائر الجمع عائدة إليهم ، قصد منها إبطال ما يموّهون به على المسلمين من تأكيد كونهم مؤمنين بالقسم على أنّهم من المؤمنين . فمعنى : إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي بعض من المخاطبين ولمّا كان المخاطبون مؤمنين ، كان التبعيض على اعتبار اتّصافهم بالإيمان ، بقرينة القسم لأنّهم توجّسوا شكّ المؤمنين في أنّهم مثلهم . والفرق : الخوف الشديد . واختيار صيغة المضارع في قوله : وَيَحْلِفُونَ وقوله : يَفْرَقُونَ للدلالة على التجدّد وأنّ ذلك دأبهم . ومقتضى الاستدراك : أن يكون المستدرك أنّهم ليسوا منكم ، أي كافرون ، فحذف المستدرك استغناء بأداة الاستدراك ، وذكر ما هو كالجواب عن ظاهر حالهم من الإيمان بأنّه تظاهر باطل وبأنّ الذي دعاهم إلى التظاهر بالإيمان في حال كفرهم : هم أنّهم يفرقون من المؤمنين ، فحصل إيجاز بديع في الكلام إذ استغني بالمذكور عن جملتين محذوفتين . وحذف متعلّق يَفْرَقُونَ لظهوره ، أي يخافون من عداوة المسلمين لهم وقتالهم إياهم أو إخراجهم ، كما قال تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ